السياسة والصناعة
عودة قوية للسياسة الصناعية الأمريكية: من الإيمان بالسوق إلى المنافسة الاستراتيجية
تعود الولايات المتحدة إلى تبني السياسة الصناعية لمواجهة صعود الصين وأزمات سلاسل التوريد وتغير المناخ. يحلل هذا المقال بعمق المنطق التاريخي والدوافع الواقعية والتأثيرات المستقبلية لهذا التحول الاستراتيجي.
عودة السياسة الصناعية: منعطف تاريخي
لطالما اعتبر السرد السائد في السياسة الاقتصادية الأمريكية تدخل الحكومة عدواً لكفاءة السوق. ومع ذلك، شهد اتجاه السياسة في واشنطن تغيراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. خاصة خلال إدارة بايدن، أقرت الولايات المتحدة تشريعات كبرى بما في ذلك قانون الرقائق والعلوم وقانون خفض التضخم، مما وجه الموارد بوضوح نحو الصناعات الاستراتيجية مثل أشباه الموصلات والطاقة النظيفة. وهذا يشير إلى أن السياسة الصناعية - التي كانت تُعتبر أداة عفا عليها الزمن - تعود إلى مركز إدارة الاقتصاد الأمريكي.
هذا التغيير ليس مصادفة. فهو ينبع من ثلاثة ضغوط: المنافسة التكنولوجية الناجمة عن صعود الصين، وهشاشة سلاسل التوريد التي كشفت عنها جائحة كوفيد-19، والتهديد الواقعي لتغير المناخ. وعندما تتراكم هذه التحديات، خلص صناع القرار الأمريكيون إلى أنه لا يمكن الاعتماد على قوى السوق وحدها لمواجهتها، بل يجب استخدام "اليد المرئية" لتوجيه الموارد نحو المجالات الحيوية للأمن القومي والقدرة التنافسية الاقتصادية.
العمق التاريخي: أمريكا لم تبتعد أبداً عن السياسة الصناعية
السياسة الصناعية ليست جديدة في الولايات المتحدة. ففي تقريره عن الصناعات التحويلية عام 1791، دعا الأب المؤسس ألكسندر هاميلتون إلى دعم الصناعة المحلية من خلال التعريفات الجمركية والإعانات. بعد ذلك، وسع هنري كلاي مفهوم "النظام الأمريكي" ليشمل مزيجاً من التعريفات الجمركية والبنك الوطني والبنية التحتية. في الثلاثينيات من القرن العشرين، تدخلت إدارة التعافي الوطني التابعة لصفقة روزفلت الجديدة مباشرة في تنظيم الأجور والأسعار. خلال الحرب العالمية الثانية، بلغت التعبئة التي قادتها الحكومة بالسياسة الصناعية ذروتها.
أثناء الحرب الباردة، استمرت السياسة الصناعية في شكل سباق تكنولوجي. أنتجت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة الدفاعية (DARPA) تقنيات رائدة مثل الإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، كما أدت مشتريات الحكومة الواسعة من أشباه الموصلات إلى الازدهار المبكر لصناعة الرقائق الأمريكية. في الثمانينيات، وفي مواجهة المنافسة اليابانية، أسست الولايات المتحدة "سيماتيك" (Sematech) لتنسيق البحث والتطوير. في عام 2009، أنشأت وزارة الطاقة وكالة ARPA-E للتركيز على تقنيات الطاقة الجديدة. في عام 2016، أقامت مبادرة "صنع في أمريكا" (Manufacturing USA) العديد من معاهد البحوث القائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص. ويمكن القول إن السياسة الصناعية الأمريكية لم تختفِ حقاً أبداً، بل ظهرت واختفت تحت خطاب "السوق الحرة".
الركيزتان الأساسيتان للسياسة الصناعية الجديدة
إن الجولة الحالية من السياسة الصناعية تتجاوز في نطاقها وعمقها أي جولة سابقة. وهي تعمل عبر مسارين رئيسيين:
أولاً، إحياء التصنيع المتقدم. يستهدف قانون الرقائق والعلوم صناعة أشباه الموصلات مباشرة، بهدف جذب تصنيع الرقائق للعودة إلى الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد على آسيا. وهذا استجابة مباشرة للمخاوف المتعلقة بأمن سلسلة التوريد.
ثانياً، تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة. يوجه قانون خفض التضخم إعانات كبيرة نحو الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وتقنيات خفض الكربون، وهدفه ليس فقط خفض الانبعاثات، بل أيضاً تنمية صناعة الطاقة النظيفة المحلية والتنافس على قيادة التصنيع الأخضر عالمياً.
السباق العالمي: أمريكا تلاحق## السباق العالمي: أمريكا تلاحق
عودة السياسة الصناعية ليست حكرًا على الولايات المتحدة. أوروبا لديها منذ زمن طويل تقليد التدخل: الحكومة الفرنسية تملك أسهمًا في رينو، وولادة إيرباص كانت ثمرة تعاون حكومات بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا. تمتلك ألمانيا نظامًا قويًا يجمع بين الصناعة والجامعات والأبحاث، وأطلقت خطة "صناعة 4.0". كما أقر الاتحاد الأوروبي مؤخرًا "قانون الرقائق الأوروبي" وأنشأ "تحالف البطاريات الأوروبي". في آسيا، حققت اليابان وكوريا معجزات اقتصادية عبر التوجيه الحكومي، كما أن صناعة أشباه الموصلات في تايوان لم تكن لتقوم دون دعم حكومي. أما الصين فتستخدم السياسة الصناعية باعتبارها الأداة الأساسية في سعيها للهيمنة على التقنيات العالية.
وبالمقارنة، كانت الولايات المتحدة بين الاقتصادات المتقدمة هي الأقل ميلًا لاستخدام السياسة الصناعية بشكل منهجي. لكنها الآن تدرك أنها في هذا السباق الصناعي العالمي، إذا تخلت عن التدخل فقد يعني ذلك إفساح المجال للآخرين في السوق. لذلك تحمل هذه الجولة من السياسة الصناعية طابع "اللحاق" الواضح.
المستفيدون والمتضررون: من سيتغير؟
إعادة إطلاق السياسة الصناعية ستعيد تشكيل المشهد الصناعي الأمريكي.
أكبر المستفيدين سيكونون سلاسل إنتاج أشباه الموصلات والطاقة النظيفة. صناعة تصنيع الرقائق، والمعدات، والمواد، وكذلك الطاقة المتجددة والبطاريات والمركبات الكهربائية، كلها ستشهد توسعًا. ومن الناحية الجغرافية، سبق أن قادت السياسات التكنولوجية تاريخيًا نهوض مناطق معينة، وقد تقود هذه الجولة من السياسات مناطق جديدة لتصبح مراكز تصنيع.
في الوقت نفسه، قد تتعرض صناعات الوقود الأحفوري التقليدية لضغوط. فدعم الطاقة النظيفة سيسرّع التحول في هيكل الطاقة، وستواجه الصناعات المرتبطة بالفحم والنفط تنظيمًا أكثر صرامة وضغوطًا سوقية. بالإضافة إلى ذلك، قد تتراجع القدرة التنافسية للصناعات منخفضة القيمة المضافة التي تعتمد على سلاسل التوريد العالمية نتيجة تأثير التعريفات الجمركية والسياسات الداعمة.
على مستوى سلسلة التوريد، ستعيد الشركات تقييم نموذج "الإنتاج في الوقت المحدد" وتتحول إلى منطق "المخزون الآمن"، وسيتسارع اتجاه توطين سلاسل التوريد و"الصديقة". وهذا يتيح فرصًا لإعادة التصنيع إلى الغرب الأوسط والجنوب الأمريكي.
ملاحظات أساسية
1. عودة السياسة الصناعية هي رد فعل تكيفي للولايات المتحدة على نهاية العصر الذهبي للعولمة، وهدفها الأساسي هو الأمن الاقتصادي لا الكفاءة الاقتصادية البحتة.
2. أشباه الموصلات والطاقة النظيفة هما المجالان ذوا الأولوية القصوى، وستوجه الإعانات الحكومية والحوافز الضريبية تدفقات كبيرة من رأس المال الخاص إلى هذين القطاعين.
3. ستتسارع إعادة هيكلة سلاسل التوريد، وسيقلل الإنتاج المحلي للمنتجات الأساسية من الاعتماد على عقد جغرافية بعينها، لكنه قد يرفع التكاليف على المدى القصير.
4. سيعاد ترتيب الخريطة الصناعية الإقليمية، فقد تنتعش المناطق الصناعية القديمة بفضل التصنيع الأخضر، بينما تواصل مناطق "حزام الشمس" جذب استثمارات التكنولوجيا العالية.
5. يتوقف الأثر طويل المدى للسياسة الصناعية على جودة الحوكمة، وتجنب سلوكيات البحث عن الريع وسوء تخصيص الموارد هو التحدي الأكبر.
توقعات آفاق الصناعة الأمريكية
خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، قد يشهد النظام الصناعي الأمريكي التغيرات التالية: ستتوسع قدرات تصنيع أشباه الموصلات محليًا بشكل ملحوظ، وستتشكل بسرعة سلاسل إنتاج الطاقة النظيفة والمركبات الكهربائية؛ وسيتعمق اتجاه "تقليل الاعتماد على الصين" في سلاسل التوريد، لكن دون فك ارتباط كامل، بل عبر تشكيل توزيع إقليمي؛ وقد تتوقف حصة التصنيع من الناتج المحلي الإجمالي عن الانخفاض وتستقر، لكن نمو الوظائف قد لا يواكب ذلك لأن المصانع الجديدة تعتمد أكثر على الأتمتة.الأهم من ذلك، أن السياسة الصناعية ستصبح أداة دائمة في عملية صنع القرار الاقتصادي الأمريكي، وليست إجراءً مؤقتًا في أوقات الأزمات. هذا يعني أن "إبهام" الحكومة في السوق سيبقى على المدى الطويل، وقرارات الاستثمار للشركات، وتصميم سلاسل التوريد، واختيارات المسارات التكنولوجية ستتأثر جميعها بعمق بالعوامل السياساتية. لقد بدأ عصر جديد: في هذا العصر، لم تعد القدرة التنافسية الوطنية تُنظر إليها كنتيجة تلقائية بحتة للسوق، بل كنتاج استراتيجي يتم تشكيله بوعي.
علامة تحريرية · usindustrynews
تضع usindustrynews هذه الملاحظة ضمن اخبار صناعية امريكية موثوقة تغطي استثمارات التصنيع ومشاريع الطاقة والبنية التحتية والتقنية الصناعية واللوجس...؛ ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص. ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق: عناوين صناعية / التصنيع في الولايات المتحدة / الطاقة والبنية التحتية يوضح الزاوية التحريرية المحلية.